كتب: محمد عبدالباقي أحمد
في مشهدٍ مؤثرٍ خيّم عليه الحزن والأسى، شيّع الوسط الفني والإعلامي، إلى جانب الأصدقاء والمحبين، جثمان الفنان محمد سوبا بالقاهرة، بعد رحلة حياة اتسمت بالأدب والاحترام والإنسانية، قبل أن تُعرف بالفن.
أُقيمت صلاة الجنازة عقب صلاة الظهر بمسجد السيدة نفيسة، أحد أعرق مساجد القاهرة، حيث اكتظ المسجد وساحاته بجموع المشيعين الذين حضروا بقلوبٍ مثقلة بالحزن وعيونٍ دامعة، يودّعون فنانًا لم يكن مجرد صوت أو حضور فني، بل كان قيمة إنسانية نادرة في زمنٍ عزّت فيه القيم.
منذ لحظة وصول الجثمان، بدا الصمت سيد الموقف، وكأن الكلمات عجزت عن التعبير عن حجم الفقد. وجوه شاحبة، وأيدٍ مرفوعة بالدعاء، وقلوب تردّد: رحمك الله يا محمد سوبا. كان الراحل محبوبًا من الجميع، فجاء وداعه جامعًا، صادقًا، خاليًا من التصنّع، تمامًا كما كانت حياته.
شارك في التشييع عدد من الفنانين والإعلاميين السودانيين المقيمين بالقاهرة، إلى جانب أصدقاء الراحل من مختلف المجالات، في لوحة إنسانية عبّرت عن المكانة الكبيرة التي احتلها محمد سوبا في قلوب من عرفوه. لم يكن فنانًا منعزلًا في عالمه، بل إنسانًا قريبًا من الناس، حاضرًا في أفراحهم، ومشاركًا في أحزانهم، ومبادرًا بالخير والكلمة الطيبة.
وبعد الصلاة، انطلق موكب التشييع في أجواء مهيبة متجهًا إلى مقابر طريق السويس، حيث وُوري الجثمان الثرى. كان الطريق ثقيلًا على النفوس، وكل خطوة تقرّب المشيعين من لحظة الوداع الأخيرة، لحظةٍ لم يكن أحد مستعدًا لها مهما حاول التماسك.
وخلال مسيرة التشييع، تناقل الحضور ذكرياتهم مع الراحل، وكان التأثر واضحًا في صوت الفنان حسن قيلي والفنان عبدالله حسن (الشبلي)، وهما يستعيدان المواقف الإنسانية والفنية التي جمعتهم بمحمد سوبا، متحدثين عن أخلاقه العالية، وحديثه الهادئ، وابتسامته الصادقة، واحترامه للجميع، وتواضعه الذي لم يفارقه يومًا.
أجمع الجميع على أن محمد سوبا كان فنانًا مهذبًا محترمًا، وإنسانًا بمعنى الكلمة، لم تُغيّره الأضواء، ولم تُفسده الشهرة، وبقي وفيًا لقيمه ومبادئه حتى آخر أيامه، وهو ما جعله حاضرًا في القلوب قبل أن يكون حاضرًا على المسارح والشاشات.
إن رحيل محمد سوبا لا يُعد خسارة للساحة الفنية السودانية فحسب، بل خسارة إنسانية كبيرة، فقد غاب نموذج نادر لفنان جمع بين الموهبة والأخلاق، وبين الحضور الفني والسيرة الطيبة، وهي السيرة التي ستبقى حاضرة في الذاكرة مهما طال الزمن.
في وداعه، لم يكن البكاء فقط على فنانٍ رحل، بل على إنسانٍ ترك أثرًا جميلًا في قلوب من عرفوه، وذكرى طيبة ستظل تُروى، وشهادة حق بأن بعض الناس، حين يرحلون، يتركون فراغًا لا يُملأ.
رحم الله الفنان محمد سوبا رحمةً واسعة، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله وأصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان.
سيظل اسمك حاضرًا، وستبقى أخلاقك قبل فنك عنوانًا لك…وداعًا أيها الإنسان النبيل.
